الجمعة, 26 حزيران/يونيو 2020 18:52

على غفلة من الجميع موفق ملكاوي

قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

حارتنا نيوز-

تسرقنا الحياة، أو هكذا نريد أن نفهم ونعتقد، فنوغل في طرقاتها، بحيث لا نتذكر أحيانا أن نلتفت إلى حيوات سابقة شكلت أجمل ما فينا.
منذ سنوات طويلة، وأنا أراها تعد السنوات، فيهزل جسدها ببطء، وتكلّ عينها، ويحني ظهرها الزمن وهي تودع زوجها ورفيقها لستة عقود، وابنتها الشابة إلى القبور.
هي أمي التي نسيت أن أخبرها بحبي الكبير لها!
ربما لم يخطر ببالي من قبل أن أمورا مثل هذه ينبغي التصريح بها، أو حتى أن يتم نقاشها. هي أمور اعتيادية يتم التواطؤ عليها بين الأم وابنها. مقدسة تماما. وسرية بقدر قداستها.
علاقتي بها لم تكن ملتبسة، بعكس علاقتي بالبيئة التي جمعتنا، أعني قريتي التي نشأت فيها، فهي ليست المكان الذي تسوقني إليه ذاكرة جميلة، وهي ليست المكان الذي يمكن لي أن أعيش ذكرياته دون أن أصاب بصداع الحزن غير اللذيذ.
قبل أيام، وحين رأيتها ممددة وفاقدة الوعي على سرير في أحد مستشفيات الشمال، اجتاحتني جميع الذكريات مرة واحدة. اجتاحتني رائحتها وهي تخبز لنا مع الفجر قبل أن نذهب إلى المدارس، ومحاولتها أن تكون أبا وأما حين يضطر الآباء لأن يغيبوا في معسكرات بعيدة، أو تجارات عاثرة عابرة للحدود.
تذكرتها وهي تقول لي أن لا أعود اليوم من المدرسة إلا وقد ملأت "شوالا" كاملا بالزعتر الجبلي. وتذكرتها وهي تعلمني كيف أزرع "القزحة" و"السمسم"، وكيف هي "أجراس" السمسم التي يتغنون بها دائما في أعراسنا القليلة.
تذكرتها وهي تعلمني كيف أجلس في بيوت العزاء، وأنه من العار علي أن ابتسم، بل يتوجب علي أن أظهر العبوس والحزن. ولحسن الحظ كان هذا الأمر سهلا علي، فأنا أنزع إلى الحزن العبوس والصمت، أكثر من نزوعي إلى الحياة نفسها.
تذكرت كل هذا فيما أنا أحاول أن أرى لفتة حياة من الجسد الذي تكاد تغيب عنه جميع معالم الحياة
.. وأتذكر أيضا، دجاجاتها العزيزات، وماعزها الشامي الذي أحبته مثلما أحبتنا، ومشوارها الطويل من "عين الطاسة" حتى البيت لكي تجلب الماء، في وقت كانت تغيب ملامح الدولة بأكملها عن مناطقنا البعيدة المرمية في أحضان هضبة الجولان.
تذكرت رائحة الخبز من يدها، وهي تجلس قبالة فرن الطابون الصغير، وتنهرنا أن لا نأكل إلا حين يصبح كل شيء جاهزا تماما.
تذكرت اصطبارها الطويل على أن تكون محتملة رغم القلة في كل شيء، ورغم تسعة أبناء لا يحاولون اقتفاء أثر الأعذار.
يا الله، كل هذه المعاناة مرت وظل ثغرها باسما ووجهها ضحوكا!!
أتخيلنا؛ هي وإخوتي وأنا، قد امتد بنا العمر منذ عصر المماليك. أتخيلنا لم نعش أكثر من ألف حقبة فقط، وأننا سامحنا جميع كتبة التاريخ الذين نسوا أن يوردوا أخبارنا في ما ابتدعوه من أكاذيب كبيرة لم تقل شيئا عن الحقيقة.
لكنها تصر دائما على أن تفاجئنا بجديد يدور في خلدها هي فقط، بينما ننتبه إليه نحن متأخرين. كنا جميعنا متحلقين حولها، نرجو حركة واحدة من يد أو رفة من جفن، أو حتى رجفة من طرف. وحدث الأمر؛ سريعا وسعيدا وبدون توقع.
حين فتحت عينها، كنا جميعنا إلى جانب سريرها. بناتها وأبناؤها وبعض أحفادها. كنا جميعنا ننظر بعين الرجاء إلى المرأة التي أوصلتنا إلى الحياة من دون منّة.
لكنها حين تفرّست بوجوهنا للوهلة الأولى، لم يكن في بالها سوى "كفاية". قالت إنها حاضرة هنا والآن. كانت كأنما تعلم أن روحها قريبة جدا، وأننا حين أردنا نقلها إلى مثواها الأخير، فإنما خرجنا بها من هذا المكان بالذات!
أفاقت أمي من "غفوة صغيرة" غابت فيها عنا، وعادت إلينا من جديد، وأيضا، أعادت إلينا حياة كاملة كنا نسيناها ورميناها خلفنا ونحن ندور في حلقات مفرغة لم تمنحنا شيئا!